تونس 24 تونس 24
مدونة الخضراء نيوز

إن الله ليزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن- بقلم : نادر بن عماد سكاكية

 


بسم الله الرحمن الرحيم : 

إن ارتفاع معدلات الجريمة المتصاعدة في بلادنا العربية الإسلامية  لهو دليل على اضطراب في منظومة القيم و اختلال كبير مخيف يؤثر على استقرار المجتمع وأمنه. 

و المجتمع يكون محفوظا حين يطبق فيه شرع الله  سبحانه وتعالى وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم ) كما قال النبي صلى الله عليه والسلام  لنا : عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (( يا أيها الناس؛ إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله، وسنة نبيه)). (ورواه الحاكم)) . و أيضا كما قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : (( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله )).  وخاصة عندما يتربى الفرد في المجتمع على الخوف من الله سبحانه وتعالى ، فهذا يكون كفيلا لردع الفرد عن القيام بالمعاصي ، ويحفظ للمجتمع أمنه بمواطنيه .

ولكن في الوقت نفسه هنالك أشخاص لا يوجد عندهم وازع كافٍ من الإيمان يردعهم عن أن تنتكس فطرتهم أو أن توقفهم عن ارتكاب المحظور .

فهذه الفئة من الناس في المجتمع يصلح فيها قول أمير المؤمنين ذو النورين عثمان بن عفان (رضي الله عنه) : (( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن )). 

وهنا بيت القصيد ،  فالموضوع يحتاج للشرطين أساسين لضمان استقرار المجتمع بعد توفيق الله عزوجل : 

الشرط الأول : وهو أنه لابد من تربية الأبناء تربية إيمانية قائمة على الخوف من الجليل وتطبيق أخلاق النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، حيث قال النبي : (صلى الله عليه وسلم) : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) . 

وهنا يطرح السؤال فكيف يمكننا تربية المجتمع تربية إسلامية ؟ علما أن الأطفال هم غرس الحياة وقطوف الأمل وزهور الأمة ، ورعايتهم واجب ديني .

وحتى نجيب عن هذا السؤال لابد  أولا من معرفة أنواع المربين.

 يقسمها الدكتور مصطفى أبو سعد إلى ثلاثة أقسام وهي :

 المربي الاطفائي : وهو الذي لا يتدخل إلا في حال المشاكل، فهو يعالج المضاعفات و يسكن الآلام، لكنه أبدا لا يعالج الأسباب،  و لا يستعد بالوقاية من المرض بالتوكل على الله ثم الأخذ بالأسباب.

والمربي المروض : وهو الذي يروض ابنه ليكون مطعيا له و كأنه حيوان عاقل يروض كما تروض الحيوانات في السيرك. و هنا قد يسأل سأل، أو ليس يجب على الأب أن يعلم ابنه أن يطيعه، و الله قد جعل طاعة الوالدين من طاعته سبحانه و تعالى. 

و الجواب عن هذا السؤال هنا يكمن في التفريق  بين الطاعة و بين الترويض، فالطاعة للوالدين هي طاعة أصلها طاعة لله تعالى بالتالي لا تكون إلا فيما يرضي الله تعالى فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كم علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم. فهي طاعة تكون في الأمور كلها ما لم يكن فيها شرك أو كفر أو معصية أو حرج.

و الطاعة التي يوجبها الإسلام هي طاعة لا تلغي عقل الولد و لا تهمش رأيه بل تجعل منه شخصا محترما كريما له كرامته و رأيه الذي يوكد بها ذاته.

أما الترويض فيكون المروض فيه حريصا على أن يطيعه ولده في كل ما يرضاه هو سواء أكان فيما يرضي الله ام لا.

و في الترويض أيضا تكون الطاعة التي يريدها الأب أن يطيعه ولده في ما فيه مصلحته هو سواء أكانت فيه مصلحة ابنه أم لا، و هنا تكمن المشكلة، إذ يلغي شخصية الطفل ، ويفقده كينونته ، أو على الأقل يجعل حرجا على الولد عندما يطيع أباه.


و تجدر الإشارة بالذكر  أن الرائج من الكتب الغربية في التربية تنطلق من فلسفة أن الإنسان حيوان ناطق ينبغي ترويضه . 

والمربي الإيجابي هو الذي يربي ابنه بطريقة ايجابية ويكون معه علاقة إيجابية دون أن يهمه أعراض السلوك الخارجي، مع حرصه على قوة شخصية طفله. 

ويعد المربي الإيجابي من أفضل أنواع المربين ، لأنه يعطي الطفل شخصيته وكيانه ويجعل من الطفل شخصية متزنة . 

وحتى يكون المربي إيجابيا يقول الدكتور مصطفى أبو سعد لابد من معرفة الكفاءات ال10 للوالدية الإيجابية ، والتي أولها الحب والعاطفة ، وثانيها : التحكم في التوتر ، والتعامل مع الضغوطات ، وثالثها : الرقي في العلاقات والمعاملات ، ورابعها : الاعتماد على النفس والاستقلالية ، وخامسها : تنمية المهارات الحياتية ، وسادسها : إدارة السلوك بالتحفيز الإيجابي ، وسابعها : الإيجابية في الحياة ، وثامنها : عش وفق القيمة الدينية بقوة وشجع عليها ، وتاسعها  أن تكن معلما ، ومربيا لتربي أبنائك ، وعاشرها :  كن سندا وحاميا . 

ولابد من التعلم و التدرب و تطبيق هذه الكفاءات لتربية الأبناء تربية إيمانية صحيحة فالأمر يحتاج وقتا و جهدا بعد الإخلاص و التوكل على الله سبحانه و تعالى و بالدربة تمتلك القدرة كما قال الأستاذ ياسر بن بدر الحزيمي.  هذه التربية تصلح الفرد وعندما يصلح الفرد ينعكس ذلك على المجتمع ، وبذلك يكون مجتمعا آمنا ، مطمئنا ، ومتقدما ، وناجحا  بإذن الله.

و أرى بأن الأبوين كلاهما  مسؤول عن تربية أبنائه، فهم أمانة ثقيلة ، ويحاسبون عليها يوم القيامة ، لقول نبينا محمد( صلى الله عليه وسلم ):(( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسؤول عنهم)). لذلك على كل منهما  المحافظة على هذه الأمانة والمسؤولية التي منحه الله إياها ، وذلك بالجلوس معهم والتحدث إليهم في نهاية كل يوم ، ومناقشتهم، في أمور حياتهم ، والاستماع لمشاكلهم ومساعدتهم في حلها ، علاوة على مراقبة تصرفاتهم خاصة في الظروف الصعبة .


فنعلم أبناءنا حب الله عزوجل  ، ونزرع في قلوبهم كلمة التوحيد ، ، مع  تشجعيهم على الإقبال على طاعة الله عزوجل حبا و خوفا و رجاء  لله سبحانه وتعالى . كما الطائر له جناحا الخوف و الحب و محوره الرجاء. 

فبذلك يشعر الفرد بالمتعة بالإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى ، ويحاول قدر الإمكان ألا يغضب الله عزوجل ، وبذلك يكون عنده استقامة وصلاح . وهذا أهم  أساليب التربية الإيمانية الصالحة.

 وكذلك نحببهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، ونجعل أبناءنا يتخذون النبي (صلى الله عليه وسلم ) قدوة في حياتهم .  فمحبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليست ترفا ولا رفاهية ، إنما هي أساس من أسس العقيدة ، فلا تستقيم عقيدة مسلم ولا تتزن ، ولا تسلم إلا بمحبة النبي ( صلى الله عليه وسلم). فهو المرجع و هو الميزان الذي تقاس به كل مقياس العظمة و أقصى درجات الكمال البشري.


ورغم أن التربية الإيمانية للفرد مهمة إلا أن سلطان البيئة كبير و للقوة فيه أثر ليس باليسير. فهناك أناس لا يردعهم الخوف من الجليل أو الحياء من التنزيل. هؤلاء لا تكفي معهم التربية الإيمانية فقط ، و بالتالي  لابد أن ننتقل إلى الشرط الثاني وهو:  قوة مجتمعية تحمي و تمنع من الإعتداء على الحقوق، وتساعد على غرس هذه التربية الإيمانية . والله جل وعلا يقول في كتابه العزيز الحكيم :  ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)). وهنا حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " قال، قد جعل الله في القصاص حياة, إذا ذكره الظالم المتعدي كفّ عن القتل. قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " لعلكم تتقون "، أي تتقون القصاص، فتنتَهون عن القتل، كما حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لعلكم تتقون " قال، لعلك تَتقي أن تقتله. فالعقوبة في الإسلام تقوم على مبدأ حفظ المصالح العامة والفردية في المجتمع وهي تستمد وجودها وشرعيتها من خلال النص القطعي الذي يبين كيفيتها وحدودها في الحدود والقصاص ويحدد المساحة التي يستطيع من خلالها الحاكم أو القاضي أن يجتهد في باب التعزيزات، كما أن العقوبة في الإسلام شخصية وذلك بمعنى أنها لا تطال إلا مرتكب المخالفة وحده ولا تتعداه إلى غيره، وذلك تحقيقا للعدالة التي على أساسها قام مبدأ العقوبة فلا تزر وازرة وزر أخرى. ( الإعدام عقوبة رادعة تحافظ على الأمن المجتمعي ، المجد) . 

فهذه القوة  تتمثل في السلطة في كل بلد  وهذا يكون من خلال وجود تطبيق وتناغم بين  هذه السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية و القضائية ( دراسة سلطات الردع الحقيقية الحاكمة في المجتمع  ، راسم المرواني، شبكة النبأ). فهذه السلطات الثلاث تساعد على ردع الفرد عن القيام بالجريمة ، فعندما يتوافر القانون التشريعي يجعل الفرد يشعر بأن هنالك جهة تشريعة تشرع قوانين تصب بمصلحة المجتمع ولكن هذا القانون بحاجة لجهة تنفيذية ، هذه الجهة التي تقوم بتطبيق القوانين بقوة وبوعي وكذلك هي بحاجة إلى جهة قضائية نزيهة تحكم بالعدل بعيدا عن المصالح ، وبإكتمال هذه السلطات الثلاث يكون دور الحاكم قوي ويحمي المجتمع من الجرائم . 

و لكن في الوقت نفسه  نحن نحتاج إلى وجود قوة شعبية وقوانين ، وأعراف مطبقة على أرض الواقع لها وزنها وفعلها ، وأثر لها ، لا فقط مجرد شعارات ومقامات صورية في المناسبات العامة فقط .

و هذه القوة قد تكون ممثلة في أهل للحل والعقد ، ولجان شعبية ، ومؤسسات في كل قرية لها سلطة على أبناء القرية. و بغض النظر عن نوع هذه القوة.

و يشترط في هذه القوة حتى يكون لها تأثير حقيقي أن تكون صالحة أن تكون قوة قادرة على فرض كلمتها ، وردع ، ومعاقبة الخارجين عن الدين ، والقوانين الفطرية ، والأعراف المجتمعية. كذلك يشترط أن تلتزم بالعدل و القسط في الحكم دون زيغ أو ميل امتثالا لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين). فلا يخفت بخوف من تهديد أو وعيد (فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)، و لا نضيع الحقوق تحت فكرة التستر على سمعة القاتل أو فكرة الحل  بفنجان القهوة. إن تسترنا هو هتك لستر الأمن في المجتمع، و هذا الفنجان هو السم الذي نسقيه للمجتمع كله بهذا الفعل. فهو الذي شجع عملية القتل وأدى إلى ازدياد الجرائم في المجتمع. 

وحتى يكون لها تأثير لابد من توفر فيها سلطة الضمير هذه السلطة التي تنطوى على أهمية كبيرة في امتناع الانسان عن الاستهتار وارتكاب الخطأ والجريمة في المجتمع .


خلاصة  القول ما بدأنا به مقالنا في قول الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه و أرضاه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. 

هذه المقالة القصيرة لا تعدوا كونها بذرة أردنا بها تسليط الضوء على ركني الحل في نظرنا و هما تربية إيمانية إيجابية  للأفراد و المجتمع و قوة مجتمعية تحفظ سيادة أمن المجتمع و استقراره.

هذه البذرة تحتاج من الجميع العمل، تحتاج أن نهيأ لها الأرض الخصبة بالحرث و التنقيب، و تحتاج منا غرسا جيدا من زراع مهرة، و يحتاج منا سمادا جيدا و يحتاج سقيا و عناية حتى تكبر و تثمر شجرا ضخما قويا صلبا عتيا على الكسر أو الإنهيار. 

نحتاج همة و تحركا من المجتمع كله بكافة مكوناته كل في موقعه و من زاويته،  علماء دين و مفكرين و مؤرخين و كتابا و باحثين و هيئات و منظمات و جمعيات و مدارس و معاهد و تربويين و جامعات و سلطات و أسر و بيوت و أولياء أمور و أفرادا كل في موقعه لنغرس و ننمي زرعنا.

هنا يأتي سؤالي  لك عزيزي القارىء ما هو موقعك الذي يجب أن تبدأ منه في هذا المشروع الضخم  نبنيه بالقرآن والسطان؟؟ 


بقلم نادر جبر


الكاتب

مدير الموقع ،

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

تونس 24

2020