لو يقتنع ماكرون ومعه كلّ خصوم الإسلام بأنّهم أمام رسالة لا تُحَارَب وأنّ السعي لاجتثاثها كالسعي لاجتثاث الجبال الرّاسيات من كوكب الأرض، لو لامستهم هذه القناعة لوفّروا على أنفسهم الكثير من الجهد العبثي ولاستثمروا في ثقافة التعايش بدل الولوغ في ثقافة الاجتثاث. والأمر يتعلّق بالقوى المحليّة داخل الدول الإسلاميّة والأخرى الخارجيّة التي يصيبها السعار بشكل دوريّ على غرار ما أصاب دولة ماكرون فتهبّ لتقتلع ثم سرعان ما تكتشف أنّها تحاول اقتلاع الذي لا يُقتلع.
والأكيد أنّ الأذيال المتواجدة في العالم الإسلامي وفي الدول العربيّة وكذا في تونس يعوّلون كثيرا على استنساخ تجربة الثورة الفرنسيّة مع الكنيسة والعقل الكنسي، ويعوّلون على عامل الزمن كما عوّلت العلمانيّة الغربيّة على الوقت في الإجهاز على الكنيسة لتشرع مع مطلع الألفيّة الثالثة في أضخم عمليّة بيع للكنائس شهدتها أوروبا منذ نشأتها.. وفعلا حالفهم النّجاح حين عوّلوا على العمليّات الجراحيّة الحادّة ومن ثمّ تركوا التديّن الكنسي يتآكل بفعل الزمن، حتى أنّه وفي منتصف تسعينات القرن الماضي وأمام موجة المدّ الإسلامي والدراسات التي تحدّثت عن اكتساح مستقبلي للإسلام وانتشاره السريع، ظهرت دعوات منظّمة في دول أوروبيّة ومنها ألمانيا شاركت فيها العديد من الجهات والحساسيّات، دعوات تهدف إلى عودة المسيحيّين لإعمار الكنائس ورصدت لذلك مبالغ طائلة ودعاية ضخمة ومركّزة، ورغم كلّ تلك الجهود فقد شهدت الكنائس طفرة في المرتادين دامت لأشهر قليلة ومع انكفاء الدعاية عاد كلّ شيء إلى وضعه السابق، ليس لأنّ رسالة السيّد المسيح كليلة، بل لأنّها سلّمت المشعل لرسالة أخرى خاتمة ودائمة إلى قيام السّاعة.
وما تجهله قوى المناولة الثقافيّة وطابور الاستعمار في تونس كما الكثير من البلدان العربيّة أنّ الإسلام لا يعتريه الذبول تحت وطأة القدم، وأنّ الرّهان على عامل الزمن ورقة خاسرة بلا جدال، لأنّ فرنسا التي لعبت على عامل الزمن في تونس والجزائر والمغرب ما لبث أن انتكس رهانها، أي نعم أثمرت جيلا ستيناتيّا سبعيناتيّا يخجل فيه الشباب من ارتياد المساجد ويعتبر دخول الأولاد إلى دور العبادة مثلبة، وشاع فيه المينجيب والمكروجيب وتسلطن فيه النموذج الأشقر وتبزّع وتوسّع الانبهار بالنّمط الغربي في بلادنا والكثير من البلاد الإسلاميّة، وكان سياق الاستنساخ يقضي أن تتعمّق الحداثاويّة الغربيّة في الثمانينات وتتوسّع في التسعينات ويستتب لها الأمر نهائيّا في نهاية الألفيّة الثانية، لكن الثمانينات شهدت المنعرج الذي أربك القوى الغربيّة وقوى المناولة المحليّة، ثمّ جاءت التسعينات لتجدّد المساجد نسلها، من الشيوخ والكهول إلى طفرة شبابيّة توسّعت وتتوسّع تباعا، ومنذ أواخر ثمانينات القرن الماضي ولمّا كانوا يترقّبون أن تكسد المساجد إلّا من بعض الشيوخ التقليديّين، شهدت بيوت الله تدفقا للمرأة بعد تدفّق الشباب، دروسا وتراويحا وحلقات ذكر وتحفيظاللقرآن.. ثمّ وبعد أن كانت صفوف الستينات بجنس واحد وبعمر واحد يغلب عليه الشيب، التحقت المرأة بالركب وأصبحت صفوف الصلاة تغصّ بالأجيال، كتف الطفل في كتف الصبي وكتف الصبي في كتف الغلام وكتف الغلام في كتف الفتى وكتف الفتى في كتف الكهل وكتف الكهل في كتف الشيخ.. {بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيز حكيم}.
وبينما خصوم الإسلام على ذلك يحلمون بتراجع "الموجة" ويمنّون أنفسهم بأنّها رجّة ارتداديّة ليس أكثر، فإذا بالتمدّد يعبر إلى القارّة الأوروبيّة، أين انتشرت الدعوة وانتشرت معها المساجد، فألمانيا مثلا بعد أن ظلّت لسنوات بمسجد واحد ذلك الذي صمّمه المهندس المعماري كارل ألفريد هيرمان، وفتح أبوابه سنة 1928، وصلت فيها المساجد اليوم إلى 3230 مسجدا منها 230 من المساجد الضخمة، وبينما دخلت العديد من المشاريع المساجديّة المرخّص لها في طور الإنجاز تترقّب دفعة من الطلبات الأخرى على مكاتب الجهات المختصّة في ألمانيا.
إذا لا فائدة من هذه اللهفة التي ميّزت سلوك الرئيس الفرنسي ماكرون وتعتمدها نخب المناولة العربيّة منذ سنوات وتهدف إلى تجفيف منابع التديّن تمهيدا للانتهاء من الإسلام! ولو كان مجنون باريس وهذه العاهات التابعة تدرك أنّه ما دام الصحابة جمعوا القرآن وما دام التابعون جمعوا الحديث الشريف وما دام قرآننا باق وسنّة نبيّنا باقية وتتمدّد كما سيرته، ما دام الإفلاس مصير كلّ مشاريع تجفيف المنابع، وإلاّ يا أنتم يا أيّها "الديشي" الفرنسي! اسألوا أنفسكم، حين كنتم تحت حماية المقيم العامّ ثمّ بورقيبة ثمّ بن علي، كم اقتلعتم وبزغت بذورها من جديد وكم جفّفتم وانهمرت عيونها من جديد!!..
