يصعب الحديث في ظرفية مليئة بالحزن و الأسى لفراق رجل صديق و زميل عزيز هم الأستاذ الدكتور المنصف وناس الذي جمعتنا مع بعضنا سنوات طويلة من الزمالة تدريسا و بحثا و نشاطا علميا و ثقافيا في مدرجات جامعة تونس و مكتبتها و في دور الثقافة و مهرجاناتها داخل البلاد و خارجها .
1 – المنصف وناس أنسانا: الشخصية الهادئة
- هو هدوء المثقف و سكينة المفكر العاقل , فهو طيب العشرة حسن الرفقة , يؤمن بالأخلاق و القيم السامية قبل كل شيء , لذلك تجده لا يفرق في تعامله بين الفقير و الغني بين الأستاذ و العامل , يتعامل مع الجميع برقة و هدوء لا تسمع له صوتا مرفوعا حتى إن ظلم و تمت الإساءة اليه . لا يرد الفعل بسرعة . و هو أيضا خجول مسالم الطبع.
- يتميز سي المنصف أيضا بالكرم و حب الآخرين , يقرض و يتصدق دون تظاهر يساعد الطلاب و العمال بلا حدود مساعدة مالية مرة و بإهداء الكتب مرات و مساعدات أخرى في مجال التشجيع المعنوي للمغلوبين و الهامشيين و البسطاء ممن لا يدافع عنهم أحد في اللجان و غيرها .
- شخصية وناس لها ثوابت أهمها مرجعيته و قدوته من معلميه و أساتذته- كان المرحوم متأثرا في شبابه الجامعي بأستاذه المرحوم عبد الوهاب بوحديبة. كما كان متأثرا بكبار الجامعة من أمثال الطالبي و جعيط و غيرهما .
- كان وناس يتميز بشدة الحساسية من كل ما يعطل العمل و الدراسة و البحث فيعتمد أسلوب النقد الساخر الضاحك للسلطة بكل أنواعها و مسالكها البيرقراطية و التسلط و النفاق.
- رغم كل ذلك كان وناس قويا حازما في اختياراته التي كان يدافع عنها في الأطر التي يقتنع بها خارج الجامعة و داخلها دون تحزب – و هنا يحضرنا دفاعه المستميت على توجهاته الفكرية و الايديولوجية و خاصة فيما يتعلق بأوضاع و قضايا الأمة العربية و الاسلامية .
2 – وناس أستاذا مربيا:
- قليلون هم الزملاء الذين يحافظون على امتداد سنوات عملهم على علاقات تتصف بالتوازن و بالاستمرارية و الديمومة مع زملائهم و مع من يحيطون بهم في العملية التعليمية و التربوية من عمال و موظفين و طلابا . الأستاذ وناس كان حريصا على نسج علاقات تتجاوز الزمالة و التعايش على أرض المؤسسة الجامعية إلى علاقات ود و تعايش و صداقة تتصف بالاحترام و هو ما يتجلى في:
- - السؤال عن الأحوال و المكالمات الهاتفية و التهاني بالأعياد و المناسبات ..
- تشجيع الزملاء الشبان و مساعدتهم على تطوير تجاربهم البحثية و العلمية
ومساعدة الطلاب على تطوير مكتسباتهم الدراسية و خاصة طلاب الدراسات العليا على انجاز أبحاثهم و أطروحاتهم الجامعية, و عمله الدؤوب على التدخل لفائدتهم لتسهيل عملية التعجيل بمناقشة رسائلهم المنجزة . و للأستاذ وناس علاقة خاصة بطلابه في الدرس تصل به الى علاقة ودودة تشبه علاقة المعلم بطلاب الروضة في طريقة التعامل مثل افشاء السلام و المزاح و توزيع الحلوى دون المساس بمعايير الدرس و قيمته المعرفية.
- حرصه الدائم على احترام زملائه و الدفاع عنهم عبر تمثيلهم في النقابات و اللجان العلمية و البيداغوجية.
3 - المنصف وناس باحثا و عالما :
للأستاذ وناس رحمه الله صفات الباحث الحصيف و العالم الجليل:
- الدقة العلمية و المنهجية الصارمة.
- الشمولية و العمق / من خلال تعمقه في المسائل و ثراء مرجعيته مما كان يدفعه الى تعلم اللغات كما هو الشأن في تعلمه اللغة الايطالية من أجل فهم المسائل التي تطرق لها في دراسة الدولة و المجتمع في ليبيا .
- وناس قاريء مداوم فهو يمتلك مكتبة ثرية متنوعة في الإنسانيات و هو شديد الملازمة للكتاب و المكتبات –كان يقضي كل يوم ساعات طويلة بالمكتبة الوطنية و مكتبة الكلية- له قدرة فائقة في المطالعة و متابعة المسائل في المراجع العلمية – الشيء الذي كان يثير "همهمات" لدى بعض زملائه الشبان بدعوى أنه كثير الكتابة سريع النشر لكنهم كانوا لا يعرفون مدى صبره و مكابدته من أجل ذلك باذلا جهدا جبارا في التواصل مع العلوم و المعارف بعيدا عن لهو الحياة –لقد كان هذا خياره الذي أكد لنا انتقال المنصف وناس من مرحلة الكتابة الشابة و المبكرة – كتاباته حول الدولة و الثقافة و المجتمع المدني في المغرب العربي- التي كانت عبارة عن تمرينات هامة للانتقال إلى مرحلة الكتابة الناضجة التي جسدتها كتاباته اللاحقة .
- تميزت المسيرة العلمية لوناس بتمكنه من الحصول على سمعة علمية قيمة في البلاد العربية و أوروبا و هو ما تدل عليه نشاطاته و مشاركاته المتعددة و المتنوعة .
- دخوله تجربة الترجمة التي مكنته من خدمة رصيده المعرفي من جهة و مكنته من خدمة الثقافة العربية من جهة ثانية .
- المنصف وناس مثقف ذو أبعاد عربية فهو لا ينحصر في المحلية بل يتفاعل مع القضايا الثقافية و السياسية و الحضارية للمنطقة العربية و الإسلامية دون مواربة و لا تحذلق.
- وناس أيضا يؤمن بأن البحث العلمي و خاصة في مجال علم الاجتماع لا يرتقي و لا يتجدد الا بالاعتماد على البحوث الميدانية و المقاربات المنهجية التطبيقية . هذا ما تؤكده أبحاثه المختلفة و أبحاث طلابه في الجامعة و كذا اهتماماته البحثية حينما تقلد مهمة الإدارة العامة لمركز البحوث و الدراسات الاقتصادية و الاجتماعية بتونس , رغم معرفتنا بأن الأستاذ وناس رحمه الله كان من المناصرين للمقاربات و المنهجيات البحثية الكيفية.
رحم الله المنصف وناس.

