تونس 24 تونس 24
مدونة الخضراء نيوز

من مخاطر السكوت عن خرق الدستور. بقلم الاستاذ حبيب خضر


 قد يتبادر إلى الذهن بأن من الأسلم في ظل الأزمة الحالية بين رئيس الجمهورية وبقية السلطتين التنفيذية والتشريعية التغاضي عن موقف رئيس الجمهورية وخفض الجناح له رغم التسليم بكونه يرتكب خرقا للدستور لم تفلح في توريته محاولة التأسيس له بقراءة سطحية انتقائية لتنصيص دستوري، ولكن ذلك خطير جدا على فكرة الدولة نفسها وعلى ما تم إقراره من تعدد للسطات وتوزيع للصلاحيات بينها.

إن دخول سلطات الدولة في مسار استسهال التأويل الذاتي المسكون بكثير من هوى النفس وبقليل، إن وُجد، من منطق وعقل سيفتح الباب واسعا للفوضى ويسحب أي قيمة لمفاهيم تم التسليم بها.

حتى يتضح المعنى أكثر أسوق بعض الأمثلة تبدو اليوم خيالية ولكن دخول نفق السكوت عن التجاوزات سيجعلها ممكنة بل وممكنة جدا:

ينتخب مجلس نواب الشعب أعضاء جددا لهيئة الانتخابات وفق ما يقرره القانون، فيرفض رئيس الجمهورية تأديتهم اليمين أمامه بتعلة أن قانون الهيئة قد نص على أنه يشترط في عضو مجلس الهيئة النزاهة وأنه يرى أن النزاهة غير متحققة فيهم وأنه يفعل ذلك لأنه قد أقسم على احترام تشريع البلاد، فتتعثر هيئة الانتخابات وترتبك أعمالها حتى تعجز عن تنظيم أي محطة انتخابية بالمواصفات المطلوبة.

ينتخب الشعب رئيسا جديدا للجمهورية فيمتنع مكتب مجلس نواب الشعب عن تحديد جلسة لأدائه اليمين أمام مجلس نواب الشعب بتعلة أن خطاباته أثناء الحملة الانتخابية كانت تتغاضى وربما تبرر الظلم الذي تسلط على فئات وجهات في مراحل ماضية وأن في ذلك تعارضا مع تنصيص دستوري بالقطع مع "الظلم والحيف"، فيحصل فراغ في رئاسة الجمهورية.

ينتخب المجلس الأعلى للقضاء أربعته من أعضاء المحكمة الدستورية ويُعلم رئيس الجمهورية فيرفض أداءهم اليمين أمامه وتسميتهم وفق ما يقتضيه قانون المحكمة الدستورية بدعوى أنه المؤتمن على الدستور وأن من تم انتخابهم لا تتوفر فيهم مواصفة "الكفاءة" وهو أدرى بها بحكم تخصصه وأنه يفعل ذلك تنفيذا لتنصيص دستوري جاء بالفصل 118 من الدستور.  

الأمثلة التي كانت في ما مضى خيالية جدلية قد تصبح أكثر من ممكنة في قادم الأيام إذا تم التجاوز والقبول بالتجاوز في حق صلاحيات الغير. 

في علاقة بالتحوير الحكومي، الأدوار واضحة جدا ولا تحتاج تأويلا أو جدلا بشأنه:

رئيس الحكومة يُرشح بقرار منه من يراه لتولي حقائب وزارية محددة ودون لزوم التشاور مع رئيس الجمهورية ما لم يتعلق الأمر بوزارتيْ الدفاع والخارجية.

مجلس نواب الشعب يصوت على الثقة، ولا شيء يمنع النواب من منح الثقة للبعض وحجبها عن البعض.

كل من منحهم المجلس الثقة يصبحون وزراء ومن واجب رئيس الجمهورية أن يتلقى أيمانهم ويصدر الأمر الرئاسي بتسميتهم في مهامهم.

منصب الوزير لا يمتع صاحبه بالحصانة وما على من لديه أي حجج ضد أي وزير قديم أو جديد إلا أن يتوجه للقضاء الذي ينفرد بصلاحية الإدانة من عدمها.

كل تجاوز لهذه الثوابت يعتبر خطيرا على الدولة واستمراريتها، والقبول بالخطوة الأولى في الاتجاه الخطأ يجعل صاحبه مسؤولا عن بقية الخطوات اللاحقة في ذات الاتجاه الخطأ.

ما الحل؟

أولا: لا مجال للتسليم لرئيس الجمهورية بـ"حقه" في تقدير من يُقبل من الوزراء ومن لا يُقبل، فتلك مسؤولية مجلس نواب الشعب وهو الذي يساءل عن تقييماته من قبل ناخبيه.

ثانيا: لا يجدر التسرع في إعمال مقولة الإجراء المستحيل لأنها هي أيضا ذات خطورة مستقبلية فلا يتم اللجوء إليها إلا بعد استنفاذ كل المحاولات وخاصة بعد إشهاد الشعب.

ثالثا: اعتماد سياسة تواصلية تقطع مع الصمت ويكون فيها حضور إعلامي يكاد يكون يوميا يلح على تواصل انتظار تفاعل الرئاسة في مقابل تواصل صمتها.

رابعا: ضبط أجل معقول ينتهي فيه الانتظار وإعلان ذلك لعموم الشعب التونسي.

خامسا: إعلان للعموم عن موعد (مع فاصل بيومين أو ثلاثة بين الإعلان والموعد) سيتوجه فيه رئيس الحكومة صحبة الوزراء الجدد لقصر قرطاج لأداء اليمين، ويكون انتقالهم جميعا في نفس وسيلة النقل.

سادسا: التوجه فعلا في الموعد المذكور لقصر قرطاج مع توفير التغطية الإعلامية المباشرة، مع ضرورة أي فرز بين من يدخل ومن لا يدخل.

سابعا: في صورة تواصل رفض القبول بأداء اليمين، التوجه بكلمة للشعب تتضمن بالخصوص التأكيد على احترام الدستور وما قرره من توزيع بين السلطات وعلى أن الحل المعتمد هو حل ضرورة أملته الحاجة الملحة في تخطي تعطل عمل دواليب الدولة والإعلان عن أن موكب اليمين سيتم تنظيمه في اليوم التالي ويكون بحضور أعضاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين (خاصة رؤساء الأقضية الثلاثة) ورئاسة مجلس نواب الشعب (رئيس المجلس ونائبيه) ومفتي الجمهورية.

ثامنا: تنظيم الموكب ونقله مباشرة عبر التلفزة الوطنية.

تاسعا: نشر ملخص لمحضر موكب اليمين بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية.

عاشرا: إنصراف الوزراء لمباشرة مهامهم وتفادي إصدار أمر حكومي بالتسمية.

هذا تصور يظل قابلا للنقاش والتطوير، ويجدر طبعا تعليق العمل بهذا المسار متى تم التدارك من رئاسة الجمهورية وتراجعت عن نهجها.

ختاما، سامح الله من اعترض وبشدة على سن قانون المحكمة الدستورية منذ سنة 2014 من قبل المجلس الوطني التأسيسي مباشرة بعد المصادقة على الدستور بسبب حسابات ضيقة، وسامح الله كل من عطل انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية طيلة الفترة المنقضية، وهدى الله الجميع للمسارعة بانتخاب الثلاة المتبقين في عهدة مجلس نواب الشعب حتى تنحل عقدة المحكمة الدستورية.

الأستاذ حبيب خضر المقرر العام للدستور

الكاتب

مدير الموقع ،

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

تونس 24

2020